الشنقيطي

361

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) [ الشعراء : 210 - 211 ] وقوله : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [ الإسراء : 105 ] والآيات في مثل ذلك كثيرة . ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على اللّه ، أقام البرهان القاطع على أنه من اللّه ، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله ، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله ، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين ، والعلم الضروري أنه من اللّه جل وعلا ، قال جل وعلا في هذه السورة : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) [ يونس : 38 ] وتحداهم أيضا في سورة « البقرة » بسورة واحدة من مثله ، بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] الآية : وتحداهم في « هود » بعشر سور مثله بقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] الآية : وتحداهم في « الطور » به كله بقوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) [ الطور : 34 ] . وصرح في سورة « بني إسرائيل » بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] كما قدمنا ، وبين أهم لا يأتون بمثله أيضا بقوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] الآية . قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [ 39 ] . التحقيق أن تأويله هنا ، هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة ، كما قدمنا في أول « آل عمران » ، ويدل لصحة هذا قوله في « الأعراف » : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ [ الأعراف : 53 ] الآية . ونظير الآية قوله تعالى : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) [ ص : 8 ] . قوله تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) [ 41 ] . أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية الكريمة ، أن يظهر البراءة من أعمال الكفار القبيحة إنكارا لها ، وإظهارا لوجوب التباعد عنها ، وبين هذا المعنى في قوله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) ، إلى قوله : وَلِيَ دِينِ ( 6 ) [ الكافرون : 1 - 6 ] ، ونظير ذلك ، قول إبراهيم الخليل - وأتباعه - لقومه : إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الممتحنة : 4 ] الآية . وبين تعالى في موضع آخر أن اعتزال الكفار ، والأوثان والبراءة منهم ؛ من فؤائده تفضل اللّه تعالى بالذرية الطيبة الصالحة ، وهو قوله في « مريم » : فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ